عبد القاهر الجرجاني
9
درج الدرر في تفسير القرآن العظيم
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ، الآية [ الشورى : 51 ] ما يدل على أنّ القول صفته حقيقة » « 1 » . 6 - ومن المعلوم أيضا عن الإمام عبد القاهر الجرجانيّ أنّه نحويّ بصريّ ، فقد تتلمذ على تلميذ الإمام أبي عليّ الفارسيّ ، وهو أبو الحسين الفارسيّ ، أحد أئمة البصريين ، بل لم يكن له شيخ له غيره ، وقد شرح كتابه « الإيضاح » واعتنى به عناية فائقة ، وسمّاه « المغني » وقد بلغ هذا السفر نحوا من ثلاثين مجلدا ، ولكننا نلحظ أنّ مؤلّف هذا الكتاب لم ينقل عن أبي عليّ إلا في موضع واحد فقط « 2 » . كما نجده ميّالا إلى مذهب الكوفيين ، فهو يقدّم آراءهم في كثير من الأحيان على آراء البصريين ، ويعتدّ بها ، بل قد يكتفي بذكرها . 7 - هناك أمر يلفت انتباه المتتبع لهذا الكتاب إذ نجد في موضع يقول : « وفي الآية دلالة أنّ صبر الخليفة على جنايات قومه والتغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة ، كمنابذته ومضاجرته إيّاهم ، ولذلك يصبر خلفاء نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم من آل عباس على قبائح هذه الأمّة وافتراق أهوائها » « 3 » وكذلك عند حديثه عن قول اللّه تعالى : وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ بأنّ المراد هو « أمّة محمد عليه السّلام ، وقد اختصّت بها الخلفاء الأربعة وبنو عمّه الأئمة المهديّون » « 4 » ، ولعلّه يقصد به الخلفاء العباسيّين ، وفي هذا الكلام دلالة واضحة على أنّ مؤلف الكتاب كان يميل لخلفاء بني عباس ، على عكس ما ذكر في سيرة عبد القاهر الجرجانيّ أنّه كان يكره الحكام ، ولا يميل إليهم ، ويتبرّم منهم . 8 - أورد في كثير من المواضع ما يخالف نظريّة النظم التي ابتكرها الجرجانيّ ، فنلاحظ أنّه في عدد من المواضع يقول : « كذا لوفق رؤوس الآي » ، وهذا يتعارض مع نظرية النظم ، إذ يقول في دلائل الإعجاز : « واعلم أن ليس النّظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو ، وتعمل على قوانينه وأصوله » « 5 » . فالتّقديم والتّأخير ، أو تغيير التّركيب لوفق رؤوس الآي لا يتّفق مع قوله : « أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو » . وقد يردّ على ما سبق : أنّ عبد القاهر الجرجانيّ ربّما ألّف « درج الدرر » في أوّل حياته العلمية قبل أن تنضج لديه فكرة نظريّة النظم ، وكان هذا التفسير بداية طريقه مع هذه النظريّة ، لما تضمّن من أمور بلاغيّة كثيرة ، تدلّ على بذرة جيّدة لنظرية النظم ، كما أنّه لم يتتلمذ على أحد
--> ( 1 ) الأصل ( 16 ظ ) ( 2 ) الأصل ( 56 ظ ) . ( 3 ) الأصل ( 125 و ) ( 4 ) درج الدرر 312 . ( 5 ) دلائل الإعجاز 77 .